حوت رمادي

July 27th, 2006 by   Hermes هرمس Posted in , قصة

 

 

 

 

الشراعُ الأكبر لفظَ آخرَ أنفاسهِ ، بينما الحبال تتمزق فتائلها المتينة ، كأنها أوتار جيتارة رقيقة ، أمام جحيم الماء و الملح و الريحْ ، ركاب " عدن " السفينة الشراعية الضخمة ، المزودة بثلاثة صوارٍ و أحدعشر شراعًا ، يزين صدر كل منها شعار عائلة لوكاس العريقة والمعروفة في كل موانئ البحر الأبيض المتوسط ، ابتداءا من ميناء روما ،عبورا بمضيق ميسسينا نحو أثينا أو فينيسيا
بين صقلية و فردة الحذاء عالية الكعب المسماة إيطاليا على الخرائط الصفراء المهترئة والمترصة دائما في فوضى على مكتب القبطان ماسسيميليانو روكو آخر نسل آل لوكاس ، قاهري البحر المتوسط العظام. .
تبدأ عدن الإبحار ، في كامل أبهتها ، وأشرعتها البيضاء المربعة و المثلثة منتفخة بفعل رياح الشرق الدافئة ، متجهةً نحوَ الغرب ، نحوَفرنسا .
و حتّى في أيام الشتاء القارص حينما تكون الرحلات نحو سفاقس و بن غازي باهظة الثمن ، في هذه اللحظات العصيبة ، اندفع مائتان من ركاب عدن من القمرات السفلية للسطح ، حيث تدافع ثلاثمائة جسد بشري في جموع الرعاع المسافرة نحو بن غازي ، نحو القوارب الصغيرة المعلّقة على جانبي السفينة ، كانت الفوضى أكبر ما يكون ، و صفير الرياح الممزوج بعويل النساء و انين الأجساد المنسحقة تحت الأقدام الإيطالية الكبيرة ، كل هذا بدا كفوران يعلو لاعلى في أحد ساعات يوم الدينونة،
وبينما مالت عدن على جانبها الأيسر ، تحت وطأة الرياح الشمالية الفاجرة ، وأثناء اتجاهها للشرق الجنوبي ،بعد انتهاء ثلث المسافة بين ميسسينا و بن غازي . هناكَ في مقدمة الجزء المتوسط من السفينة ، في كابينة القبطان ، وقف القبطان ماسسيميليانو روكو في معطفِهِ الكحلي الذي جعله شبيها بأحد حيتان الاطلسي الكبيرة ، بلحيته الثلجية و حاجبيه الكثّين ، و قبّعته البيضاء ، كان الرجل ، يدخّن غليونه محاولا الحفاظ على توازنه ، مع الميلة الحادة و المفاجئة للسفينة ، كان قد تخلى تماما عن العجلة التي تدور في أزيز متصل ، مثير للغثيان ، بعد أن أيقن أن الدفة تحطمت تماماً بفعل النتوءات الصخرية المقابلة لشرق مالطا . صوتُ الهياج الهرمجدوني المتصاعد للرياح ، توقف لوهلة ، ارتفعت فيها طقطقة مفاجئة لعوارض السفينة الجانبية ، السفينة المعلقة على جانبها الأيسر ، وركابها المتدافعين ، في لحظة ارتفاع هذا الأنين الشيطاني ، تجمدت كل التفاصيل ، كان أول من اتخذ رد فعل هو القبطان ماسسيميليانو روكو ، حيث قام بانتهاز فرصة السكون المفاجئ للحركة و الصوت ، متجاهلا الطقطقة المرتفعة ، وقفز قفزة واحدة لمقدمة الكابينة ، صارخًا باعلى صوته ، في طاقمه ، الذي كان نصفه ممزقابالفعل تحت أقدام رعاع روما ، ونصفه قابضًا على حبال قوارب النجاة متعاضدًا في تمزيقها بالفؤوس الصدئة التي قاءتها خزانات المعدات على سطح السفينة. هكذا ذابت آخر مقاطع صيحة القبطان ماسسيميليانو في صوت كرّة الريح المفاجئة ، التي قصفت ظهر السفينة بحجارة بيضاء تفتتت فور ملامستها للرؤوس و الأجساد و الأخشاب ، أو اخترقت الشراعات التي لم تكن قد انقذتها سواعد رجال الشراع من صفعات الرياح ، كانت عينا القبطان ماسسيميليانو روكو الرماديتانِ العميقتان ، على حالهما الدائم ، صامتتان ، مغلفتان بطبقة دمعية متلألأة ، انعكست على حدقتيهما ، مشهد الأشرعة الممزقة ، وشعار آل لوكاس الأزرق الليلي ، متدلٍ في ذلٍ فاحش ،

************

قال جيوفاني الفاجر

كان الربّان جذّابًا ، رجل خمسيني ، أنيق ، أضاف المارتيني الدائم لوجهه و عينيه مسحة من العبث الوقور ، كانَ شجاعًا ، أحسدهُ ، لم يرتفّ جفنه ، كنت مارًا ، بالأحرى محمولا في شلال الأجساد، كان الأمر حارًا ، وبعدُ باردًا بعشرات القلوب الغريقة النابضة بالخوف والرغبة السرية في الموت ، هناك ، بجوار الكابينة الرئيسية ، كان ممسكا بالدفّة المجنونة ، وقد طارت قبعته البيضاء في تحيّة مقهورة لبوسيدون الغاضب ، على أرضية قارب النجاة ، جمعت خمسة أسنان ملوثة بالدم ، عندما لكمني أحد أفراد الطاقم ، لأنني توقفت قليلا لأرى إلى القبطان ، ماذا كان اسمه ، لوكاس ، ماسسيميليانو آل لوكاس ، كان طعم فمي صدئا ، وقد أقسمت أن رد هيبتي المبعثرة على أرضية القارب مع أسناني الخمسة ، وفعلتها عندما أوصلتنا السفينة " مارتينيس" إلى ميناء سانتوريني بعد ذلك ، هذا الضابط الــ .. هه ! ، آه ، القبطان ، كنتُ انانيًا كالبقية ، وأدرت ظهري للسفينة الغارقة .

فالت ماريا بيا العجوز

أرادَ الربّ أن أودّع أولادي ،روزاريو لم يتمّ العشرة سنوات بعد ، هم الآن ينعمون بقرب السيدة العذراء ، ضباط الطاقم ، فرقونا ، كان رقمي مائة و خمسة وثلاثون ، آخر ركاب القارب الثالث ، ثم مارسيلا و أبنائ


المزيد


وردة

April 29th, 2006 by   Hermes هرمس Posted in , قصة

استيقظَ الأمير ، بينما هو نصف جالس على فراشه ،وسط أغطيته التي تضجّ بالزخارف ، كان يسترجعُ تفاصيل الحلم ، شعر بحبيبات الثلج خارج النافذة ، كأنّما برودتها تخدش سطح روحه الأملس ، قرر أن يذهب للدغل لشرقي ، في بهو القصر ، كانت زوجته الأميرة ، في كامل زينتها ، وشعرها الأسود الذي لا يعكس أي إضاءة كأنما هو قطعة من الليل توشي جبهتها :
- عم صباحا مولاي
-عمت صباحا مولاتي
- ما رأي مولاتي في نزهة إلى الدّغل الشرقي لنجمع الورود
- لا بأس مولاي
هكذا ،وبينما يعبر الموكب الأميري بوابة القصر الشرقيّة ، داخل العربة التي تجرّها ست خيول صهباء تماهت مع الثلج المحيط، كان الحوذيّان في أردية الثلج البيضاء كغمامتين ، ، نظر الأمير للدغل الشرقي الداكن ، كان يسترجع تفاصيل الحلم ، ولشدة دهشته فكّر أن الحلم هو الذي يسترجع تفاصيل الصحو ، أدار وجهه وحيرته باتجاه زوجته الأميرة:
- الشتاء هذا العام أنيق كما يبدو مولاتي
- بالفعل ، مولاي
عاد الأمير لتفاصيل حلمه ، وعندما توقّفت العربة ذات الخيل السّتة في المكان المحدد، فتح الحوذيّان بابي العربة ونزلّ كل من الزوج الأميري ، وسط البياض الموحش كانت ملابسهما تصرخ بالألوان ، الأمير في ملابسه الضيقة
السوداء، وحذائه العالي الرقبة ، ذو "الأبذيم| العريض ، وياقة قميصه العالية المنشّاه وقد التفت حولها شريطة حمراء نبيذية اللون ، والأميرة في ردائها السماوي ، كانا زيارة ربيعية ، للغاب الشتوي الجليدي ، حتّى أن سنجابين شمّا الألوان و خرجا من شجرة الكستناء ليراقبا المنظر ،
- ما رأيك في أن نذهب لشجريات الورد الدموي اللون هنالك
كان الأمير يشير باتجاه شجيرات قصيرة يميل اخضرارها للسواد
- لا بأس مولاي
تحرّكت الكوكبة الأميرة نحو الشجيرات ،
-هل سمعتِ هذه التنهيده
- لا لم أفعل مولاي
كان الأمير متتأكدا أنه سمع التنهيده بل ورآها أيضًا كسرب من أوراق الورد الدموي يشبه فراشات مفاجئة !
عندما وصل الأمير و الأميرة للشجيرة المختارة ، مدّ الأمير كفّه ، كانت تفاصيل حلمه متجليّة في رأسه ، فالآن يجبْ أن تدمي سبابته شوكة بساق الوردة وعنما سقطت قطرة الدمّ على الثلوجْ تخثرت وأخذت بالاتساع بشكل غريب ، حتّى أن الأميرة صرخت

المزيد


مطر وأشياءٌ أخرى

April 13th, 2006 by   Hermes هرمس Posted in , قصة

أ

ألمطَرُ يشْتَدّ ، فتاةٌ تَذَرعُ الرصيفَ ثمّ تتوقّفْ -واجِهاتُ الدكاكين الزجاجيةِ مضببةٌ ، والأنوارُ عالقةٌ في المَطَر ، تشكّلُ كُراتٍ ، صفراءَ ، حمراءَ ، بيْضاء.
من بعيد ، وحدهُ "سُلُويتْ" مُميّزْ ، يحمِلُ مظلّةً - يتحرّكُ على عجلْ .

***

ب

ألمَطَرُ يشتدّ ، شَبَحانِ يسيرانِ ملاصقةً ، على الرصيفِ المبتلّ ، أحيانًا يبتَعِدُ أحَدُهُما ، مُتَفَاديًا البِرَك الصغيرة : تِلكَ التي تملأُ أماكِنَ البَلاطِ المفقود.
أمامَ دُكّانٍ معيّنٍ يتوقفان .. ثمّ يدلفانْ

***

ج

ألمَطَرُ يشتَدّ ، أربَعةٌ أكفٍ باردة على الطّاولة ، فنجانا كاكاو يضخّان البخار ، أربعةُ شفاهٍ تضخّ البخار ، مزهريةٌ واحدةٌ صغيرةٌ بها وردةٌ بلاستيكية صغيرة ، لا تضخ بخارًا .

***

د

ألمَطَرُ يشتدّ ، وجهانِ ينظرانِ للشارعِ المبتلْ ، والهواءُ المبتلّ الملاصق زجاجَ المقهى ، أحيانًا يتبادلانِ نظرةً أو بضع سحاباتٍ من البخار ، فنجانا الكاكاوِ فارغان

المزيد