الشراعُ الأكبر لفظَ آخرَ أنفاسهِ ، بينما الحبال تتمزق فتائلها المتينة ، كأنها أوتار جيتارة رقيقة ، أمام جحيم الماء و الملح و الريحْ ، ركاب " عدن " السفينة الشراعية الضخمة ، المزودة بثلاثة صوارٍ و أحدعشر شراعًا ، يزين صدر كل منها شعار عائلة لوكاس العريقة والمعروفة في كل موانئ البحر الأبيض المتوسط ، ابتداءا من ميناء روما ،عبورا بمضيق ميسسينا نحو أثينا أو فينيسيا
بين صقلية و فردة الحذاء عالية الكعب المسماة إيطاليا على الخرائط الصفراء المهترئة والمترصة دائما في فوضى على مكتب القبطان ماسسيميليانو روكو آخر نسل آل لوكاس ، قاهري البحر المتوسط العظام. .
تبدأ عدن الإبحار ، في كامل أبهتها ، وأشرعتها البيضاء المربعة و المثلثة منتفخة بفعل رياح الشرق الدافئة ، متجهةً نحوَ الغرب ، نحوَفرنسا .
و حتّى في أيام الشتاء القارص حينما تكون الرحلات نحو سفاقس و بن غازي باهظة الثمن ، في هذه اللحظات العصيبة ، اندفع مائتان من ركاب عدن من القمرات السفلية للسطح ، حيث تدافع ثلاثمائة جسد بشري في جموع الرعاع المسافرة نحو بن غازي ، نحو القوارب الصغيرة المعلّقة على جانبي السفينة ، كانت الفوضى أكبر ما يكون ، و صفير الرياح الممزوج بعويل النساء و انين الأجساد المنسحقة تحت الأقدام الإيطالية الكبيرة ، كل هذا بدا كفوران يعلو لاعلى في أحد ساعات يوم الدينونة،
وبينما مالت عدن على جانبها الأيسر ، تحت وطأة الرياح الشمالية الفاجرة ، وأثناء اتجاهها للشرق الجنوبي ،بعد انتهاء ثلث المسافة بين ميسسينا و بن غازي . هناكَ في مقدمة الجزء المتوسط من السفينة ، في كابينة القبطان ، وقف القبطان ماسسيميليانو روكو في معطفِهِ الكحلي الذي جعله شبيها بأحد حيتان الاطلسي الكبيرة ، بلحيته الثلجية و حاجبيه الكثّين ، و قبّعته البيضاء ، كان الرجل ، يدخّن غليونه محاولا الحفاظ على توازنه ، مع الميلة الحادة و المفاجئة للسفينة ، كان قد تخلى تماما عن العجلة التي تدور في أزيز متصل ، مثير للغثيان ، بعد أن أيقن أن الدفة تحطمت تماماً بفعل النتوءات الصخرية المقابلة لشرق مالطا . صوتُ الهياج الهرمجدوني المتصاعد للرياح ، توقف لوهلة ، ارتفعت فيها طقطقة مفاجئة لعوارض السفينة الجانبية ، السفينة المعلقة على جانبها الأيسر ، وركابها المتدافعين ، في لحظة ارتفاع هذا الأنين الشيطاني ، تجمدت كل التفاصيل ، كان أول من اتخذ رد فعل هو القبطان ماسسيميليانو روكو ، حيث قام بانتهاز فرصة السكون المفاجئ للحركة و الصوت ، متجاهلا الطقطقة المرتفعة ، وقفز قفزة واحدة لمقدمة الكابينة ، صارخًا باعلى صوته ، في طاقمه ، الذي كان نصفه ممزقابالفعل تحت أقدام رعاع روما ، ونصفه قابضًا على حبال قوارب النجاة متعاضدًا في تمزيقها بالفؤوس الصدئة التي قاءتها خزانات المعدات على سطح السفينة. هكذا ذابت آخر مقاطع صيحة القبطان ماسسيميليانو في صوت كرّة الريح المفاجئة ، التي قصفت ظهر السفينة بحجارة بيضاء تفتتت فور ملامستها للرؤوس و الأجساد و الأخشاب ، أو اخترقت الشراعات التي لم تكن قد انقذتها سواعد رجال الشراع من صفعات الرياح ، كانت عينا القبطان ماسسيميليانو روكو الرماديتانِ العميقتان ، على حالهما الدائم ، صامتتان ، مغلفتان بطبقة دمعية متلألأة ، انعكست على حدقتيهما ، مشهد الأشرعة الممزقة ، وشعار آل لوكاس الأزرق الليلي ، متدلٍ في ذلٍ فاحش ،
************
قال جيوفاني الفاجر
كان الربّان جذّابًا ، رجل خمسيني ، أنيق ، أضاف المارتيني الدائم لوجهه و عينيه مسحة من العبث الوقور ، كانَ شجاعًا ، أحسدهُ ، لم يرتفّ جفنه ، كنت مارًا ، بالأحرى محمولا في شلال الأجساد، كان الأمر حارًا ، وبعدُ باردًا بعشرات القلوب الغريقة النابضة بالخوف والرغبة السرية في الموت ، هناك ، بجوار الكابينة الرئيسية ، كان ممسكا بالدفّة المجنونة ، وقد طارت قبعته البيضاء في تحيّة مقهورة لبوسيدون الغاضب ، على أرضية قارب النجاة ، جمعت خمسة أسنان ملوثة بالدم ، عندما لكمني أحد أفراد الطاقم ، لأنني توقفت قليلا لأرى إلى القبطان ، ماذا كان اسمه ، لوكاس ، ماسسيميليانو آل لوكاس ، كان طعم فمي صدئا ، وقد أقسمت أن رد هيبتي المبعثرة على أرضية القارب مع أسناني الخمسة ، وفعلتها عندما أوصلتنا السفينة " مارتينيس" إلى ميناء سانتوريني بعد ذلك ، هذا الضابط الــ .. هه ! ، آه ، القبطان ، كنتُ انانيًا كالبقية ، وأدرت ظهري للسفينة الغارقة .
فالت ماريا بيا العجوز
أرادَ الربّ أن أودّع أولادي ،روزاريو لم يتمّ العشرة سنوات بعد ، هم الآن ينعمون بقرب السيدة العذراء ، ضباط الطاقم ، فرقونا ، كان رقمي مائة و خمسة وثلاثون ، آخر ركاب القارب الثالث ، ثم مارسيلا و أبنائ















